رأي

السودان.. حرب الداخل وحرب المنطقة

عبد الله بشير

جاء بيان حكومة السودان تجاه التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، حاملا إدانة صريحة للإعتداء الإيراني السافر “وغير المشروع” على دول قطر والبحرين والكويت (دون ذكر الإمارات التي يقاطعها السودان بسبب دعمها لاستمرار الحرب فيه، وإن كان اللحظة تتطلب التعميم وعدم الإستثناء)، ومع تأكيد السودان وقوفه التام مع سيادة هذه الدول الشقيقة وسلامة أراضيها، فقد دعا إلى الامتثال لمبادئ القانون الدولي والعودة لطاولة المفاوضات.

ويأتي البيان متوافقا مع أدانة السعودية في بيانها القوي أمس، للهجمات الإيرانية التي استهدفت دولا عربية، والتي اعتبرتها “انتهاكا سافرا”، مؤكدة وضع كافة إمكاناتها لمساندة هذه الدول في كل ما تتخذه من إجراءات”.

كما حذرت من “العواقب الوخيمة من استمرار انتهاك سيادة الدول ومبادئ القانون الدولي”.

وبلغة الدبلوماسية ومراعاة رد الفعل للحال من حولنا، يبدو البيان السوداني منطقيا ويتسق مع المواقف العقلانية الداعية لضرورة الحفاظ على أمن المنطقة، خاصة دول الخليج العربي، وتجنيبها تداعيات الصراعات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة الاخرى.

وبنظرة أعمق فلابد من تناول تأثير هذه الحرب على حرب السودان المتطاولة.. فالصراع بين واشنطن وايران تجاوز مرحلة التهديدات إلى تبادل إطلاق الصواريخ.. وبدأت امريكا الحرب بتوجيه ضربات إلى إيران والتي بدورها وجهت ضرباتها إلى إسرائيل حليفة الولايات المتحدة والقواعد العسكرية لها في المنطقة العربية، وهو ما شكل تهديدا خطيرا لأمن الدول الشقيقة.

الصراع بين واشنطن وطهران أخذ أبعادا خطيرة تدفع ثمنها منطقة الشرق الأوسط المثقلة أصلا بالحروب والصراعات، ودائما ما تتحمل فاتورة خسائر مثل هذه المغامرات بأكثر مما تتحمله واشنطن او طهران نفسها.. وقد تنتهي هذه الحرب خلال أيام أو ربما تستمر فترة اطول، لكن في نهاية الامر سيعود طرفاها إلى التهدئة ثم طاولة المفاوضات وكأن شيئا لم يحدث، هذا أن تراجعت تل ابيب وواشنطن عن الهدف المعلن من هذه الحرب وهي القضاء على النظام في إيران .

في حال استمرت واشنطن في سعيها لاستهداف رموز الحكم وتصفية وجود النظام الثورة الإيراني القائم منذ العام 1979م، فإن حسابات دول المنطقة ستختلف وستسعى لسلوك طرق أخرى لتخفيف وطأة استمرار الحرب على دولها.

وتناولت بعض التحليلات في هذا الصدد أن حرب الولايات المتحدة التي بدأت بفلسطين ومحاولة تصفية حماس تشمل كافة دول وأنظمة الممانعة في المنطقة، وهو ما يعني ان السودان سيكون ضمن الإعصار الذي تقوده واشنطن للتغيير العنيف، ويذهب هؤلاء أن علاقة السودان التاريخية بإيران، ستمنح واشنطن عاملا إضافيا في نصب العداء للسودان..

ويمكن مناقشة ذلك من زاويتين:

أولها أن الإدارة الامريكية الحالية تدفعها المصلحة الإقتصادية في المقام الأول في علاقتها مع الدول، وهي ما يجعلها لا تكترث لكوابح الأيدلوجيا أوثوابت الماضي في التعامل مع من عرفوا في السابق بالأعداء التاريخيين، فروسيا العدو خلال الحرب الباردة هي حاليا وفي المجمل حليف لترامب وليس عدوا تاريخيا، وهو ما ينطبق على دول مثلا كوريا الشمالية وكوبا وغيرها..

ومعروف أن السودان خلال الحرب الوجودية التي يواجهها قد عاني الخذلان والتآمر من جميع الدول الإفريقية المحيطة به عدا مصر، إضافة آلى أن دولة عربية مثل الأمارات هي من تنسج خيوط الحرب على شعبه، كما أن هناك دول كبرى ظلت بقلبها مع السودان بينما باعت لمن يحاربونه السلاح المتطور..

إزاء وضع كهذا كان من الطبيعي ان ينسج السودان علاقاته وفق ما تقتضيه مصالحه في الحفاظ على وجوده ومقاومة من يدفعونه إلى التقسيم.. ووفقا لذلك كان التوجه نحو طهران التي ناصرت الخرطوم وكان لها دورها في الوقوف معه لاستعادة التوازن ورجحان كفة بقاء الوطن موحدا في وقت تنكر فيه أقرب الجيران لليودان.. وهو توجه وطني لا يستطيع أحد أن يلوم القيادة عليه..

 

الزاوية الثانية أن واشنطن أصبحت بالفعل في قلب معادلة إنهاء الحرب وجلب السلام في السودان، ويحمد للسعودية دورها الكبير في طلب الوساطة الأمريكية التي استجابت لها واشنطن.. والسعودية اليوم كذلك وانطلاقا من مكانتها في المنطقة تجد نفسها اللاعب الأبرز المنوط به بما يملك من حكمة ودبلوماسية فاعلة القيام بالدفاع عن أمن ومصالح المنطقة ككل في وجه التهديدات الناتجة عن الصراع الامريكي الإيراني والذي جعل الصواريخ الإيرانية تتجاوز كافة الخطوط الحمر لتصل إلى الدول العربية..

وعلى ذلك فإن تداعيات هذه الحرب بجب ألا تضع السودان في قلب معادلة سياسية جديدة وحسابات لا تراعي معاناته مع الحرب ولا تراعي كذلك قيام حكومته بدورها في الحفاظ على وجوده والبحث عن حلول تحترم سيادته وحقه في الحفاظ على مصالحه الوطنية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى