سودان ديلي

صحيفة إلكترونية إخبارية شاملة تهتم بالشأن السوداني والعالمي

آراء ومقالات تقارير

صحيفة لندنية تكتب عن الكابلي: النيل الأسمر الذي لن يجف في وجدان السودان

الحبيب الأسود/ كاتب تونسي- العرب اللندنية
مبدع استثنائي
على امتداد أكثر من 60 عاما، مثّل الفنان الكبير الدكتور عبدالكريم الكابلي رمزية خاصة في الساحة الفنية والثقافية السودانية باعتباره مبدعا استثنائيا وفنانا مجدداً في التأليف الموسيقي والغناء، وباحثا متخصصا في التراث الغنائي، وصاحب رؤية ورأي وموقف ومقام على المستويين الوطني والإنساني، وبرحيله عن عمر يناهز 90 عاما ، يكون السودان قد ودّع هرما من أهراماته المعبرة عن هويته الفنية وعن أصالته الحضارية وثرائه الروحي والقيمي.

وقال رئيس وأعضاء مجلس السيادة الانتقالي إنهم إذ ينعون الكابلي إنما ينعون للشعب السوداني مبدعاَ ورمزاَ من رموز الإبداع والفن في السودان، مؤكدين أن الراحل وهب نفسه لخدمة الفن والثقافة والتراث السوداني، وكان من الفنانين والموسيقيين الأفذاذ والمتفردين في مضمار الغناء والفن السوداني الأصيل، كما كان من الباحثين في التراث الشعبي السوداني، وأثرى الساحة الفنية بالعديد من الأغاني والأعمال الخالدة.

واعتبر رئيس الوزراء عبدالله حمدوك أن الكابلي رمزٌ من رموز الفن والجمال السوداني الباذخ، وصرح أدبي ضخم نحت اسمه في وجدان شعبنا بأحرف من نور، وفق بيان التعزية. وأضاف ”برحيل الكابلي فقدت بلادنا رمزا من رموز الفن وحب الحياة، وقامة سامية تغنت بعشق تراب هذا الوطن، حيث قدم الراحل عطاءً إبداعياً متميزاً سيكون خالداً في ذاكرة ووجدان شعبنا والأجيال القادمة“.

والكابلي ولد عام 1932 في مدينة بورتسودان بولاية البحر الأحمر، في ظل والدين متحدرين من آفاق مختلفة، فأسرة والده تعود إلى مدينة كابل الأفغانية، وأسرة والدته من جذور تعود إلى فرع من قبيلة الفور في جبل مرة في دارفور لعائلة أمه، وقد بين في مقابلة صحافية أن هذا المزيج منحه الفرصة للاهتمام بالتراث السوداني، ومحاولة تمثله في مشروعه الفني الذي تجاوز نصف قرن ونيفاً.

تلقى دراسته الأولية بخلوة الشيخ الشريف الهادي والمرحلة الابتدائية والوسطى بمدينة بورتسودان والمرحلة الثانوية بمدينة أم درمان بكلية التجارة الصغرى لمدة عامين، وما إن تخرج منها حتى التحق بالمصلحة القضائية بالخرطوم وعيّن في وظيفة مفتش إداري بإدارة المحاكم وذلك في العام 1951 وهناك عمل لمدة اربعة أعوام ثم تم نقله إلى مدينة مروي ومكث بها لمدة ثلاثة أعوام إلى أن تم نقله مرة أخرى إلى مدينة الخرطوم واستمر بها حتى وصل الى درجة كبير مفتشي إدارة المحاكم في العام 1977.

ويبدو أن التنقل بين الأماكن كان من خصوصيات رحلة حياة الكابلي الذي نشأ وشبَّ في مرتع صباه ما بين مدن بورتسودان وسواكن وطوكر والقلابات والقضارف والجزيرة خصوصا منطقة أبوقوتة وكسلا، ومر بعدد من المدن الأخرى وصولا إلى الخرطوم، وفي العام 1978 هاجر الى المملكة العربية السعودية ليتعاقد كمترجم مع إحدى المؤسسات بمدينة الرياض، ولكن غربته لم تستمر طويلا حيث عاد الى السودان ليستأنف رحلته الإبداعية.

رسول الثقافة والسلام
بدأ الكابلي مسيرته مع الفن وهو في الثامنة عشرة من عمره، وذلك من خلال جلسات السمر مع الأهل والأصدقاء، واستمر على ذلك الحال لمدة عشرة أعوام، وقال عن ذلك “بدايتي كانت موهبة فِطْرِية، وعشقاً للفن في شتى صوره، وللغناء بوجه خاص، وظلَّت البداية تنمو وتتشكل حتى تأسست شخصيتي“ وأضاف ”صحيح أنني لم أكُنْ على وعي بمكنون هذه الشخصية، ولكن بكثير من الصبر، والمثابرة، استطعت التوصل إليها، وهي شخصية تستلهم القديم، ولا تقلده، وتستشرف الحديث دون أن تفقد هويتها وأصالتها”.

يصف الكابلي صعوده في عالم الفن بالقول ”كمعظم المخضرمين، لم أجد طريقي مفروشاً بالياسمين، إنَّما اصطدمت بعقبات جَمَّة، من أهمها أن المجتمع لم يكن ينظر إلى الفن باحترام، وكان الفنان يحتل مرتبة متدنية من السلم الاجتماعي، غير أن هذا الأمر قد تغير في ما بعد“.

♫ مواقع التواصل تروي كيف تأثر السودانيون بصور الكابلي وهو يردّد قسم الحصول على الجنسية الأميركية

الناقد الراحل عبدالهادي الصديق رأى أن بداية الكابلي الغنائية تفتحت أول مرة عبر مسالك الأناشيد المدرسية، وهو لا زال يعزف على آلة الصفارة، وأدى تشجيع أستاذه ضرار صالح ضرار إلى نيله جائزة في إلقاء الشعر وهو يلقي رائعة صفي الدين بن الحلي ”سل الرماح العوالي عن معالينا“، وانتقل من المدرسة المتوسطة إلى الثانوية الصغرى بأم درمان. وكان يجيد العزف على آلة العود، وقد أكمل قراءة طه حسين والمنفلوطي وما إليهما، ولكنه لم يشبع فأخذ يدندن بأشعار المتنبي. وفي أم درمان دخل ندوة عبدالله حامد الأمين فانتقى منها عقداً منضداً من عيون الشعر السوداني.

كان الكابلي يتطلع الى خوض المجال الفني بدافع الموهبة التي تبلورت في أعماقه، إلى أن صادفته فرصة حياته في شهر نوفمبر من العام 1960 عندما تغني بأنشودة ”أفريقيا وآسيا“ للشاعر تاج السر الحسن بحضور الرئيس المصري جمال عبدالناصر الذي كان له تأثير كبير في حياة الفنان المبدع الذي سيطرت مبادئ القومية العربية على توجهاته الفكرية والسياسية، كما أثرت القيم الوطنية والإنسانية على رصيده الغنائي والموسيقي ليعرف كفنان ملتزم بعدد من القضايا المهمة، وتم تعيينه سفيراً فخرياً من قبل صندوق الأمم المتحدة للسكان.

وفي هذا السياق يؤكد نورالدين ساتي ممثل السودان السابق في اليونسكو أن صيت الكابلي، وأثره، لم يكونا محدودين بالسودان وحده. ففي جولاته الخارجية حول العالم حمل معه رسالة السلام، والمحبة لكل الإنسانية، وكان من التقدير الآجل أن عينته الأمم المتحدة سفيرا للنوايا الحسنة. ويضيف ساتي ”كنت قد عثرت على فرصة لأكون شاهداً على مساهمة الكابلي الكبيرة لتطوير ثقافة السلام على مستوى أفريقيا، والعالم على مستوى أشمل. فقد زارنا الكابلي في باريس عام 1994 حينما كنت سفير السودان في فرنسا، وممثله في اليونسكو. ونظمنا له محاضرة شهدها عدد كبير من السفراء، والممثلون الدائمون في اليونسكو وقد كانت عن الموسيقى والتراث السوداني. كان برفقته الراحل محمدية، وهو أفضل عازف للكمان“.

قدم الكابلي ومحمدية مقاطع من الغناء والموسيقى السودانية في تلك الأمسية أذهلا فيها أعضاء سكرتارية اليونيسكو المسؤولين عن التراث الموسيقي. فقد أبان لهم الكابلي معرفته الواسعة ومواهبة التواصلية، والتي دعتهم لتوجيه الدعوة إليه للمشاركة في مؤتمر إقليمي عن التراث الموسيقي عُقد في نيامي، عاصمة النيجر. وقد شارك الكابلي في ذلك المؤتمر، وقدم مساهمة كبيرة ونوعية.

فن متفرّد
ويجمع أغلب المهتمين بالساحة الفنية السودانية أن الكابلي قامة إبداعية متفردة بلغت درجة العبقرية ، وقد أبرز الكاتب مصطفى عبدالعزيز البطل ذلك بالقول إن ”الكابلي هو الرائد الذي علّم من جاء بعده ان الغناء فن وعقل وقلب وثقافة قبل أن يكون صوتاً وحنجرة. علمهم كيف يغنون. علمهم سلامة نطق العربية وكيف تكون مخارج الألفاظ سليمة. وعلمهم قبل ذلك كله كيف أن الغناء مسؤولية، وكيف أن الفنان صانع مسؤول عن صناعته أمام الناس وأمام الله سبحانه وتعالى“. رفع الكابلي مستوى الغناء في السودان، وكان له السهم الأوفر، عندما غنى القصائد العربية الأصيلة بصوته الآسر الدفاق، في إثبات جمال اللغة وطواعية موسيقاها حتى في أصعب الكلمات لموسيقى الغناء، فكان لصوته فضل غير مجحود في انتشار الشعر العربي على ألسنة العامة والخاصة، ولذلك كله كان وجوده كقيثارة للسودان ونسيجه النادر، شرفٌ يقول السودانيون إنهم يعتزون به. وربما بسبب كل ذلك أيضا أجفل بعض أهل البلد واضطربوا عندما رأوا فوق سطوح الوسائط التواصلية الصور الفوتوغرافية للرجل وزوجته يلوحان بالعلم الأميركي، والأخبار تترى أنهما رفعا أيديهما أمام القاضي الفيدرالي في مدينة ألكساندريا سيتي بولاية فيرجينيا، ورددا أمامه نص قسم الولاء للولايات المتحدة ودستورها، بعد أن حصلا على الجنسية الأميركية.

وكان قد زار الولايات المتحدة لأول مرة منتصف السبعينات، حيث أقام عددا من الحفلات الغنائية والمحاضرات الفكرية حول الموسيقى والتراث السودانيين، وتكررت تلك الزيارات، لكنه وفي السادس والعشرين من أغسطس 2013 اتجه إلى هناك حيث حظي بتأشيرة إقامة طويلة تقديرا لمسيرته الفنية، ودون أن يوضح أسباب هجرته قال مقربون منه إنه لم يكن سعيدا بالعيش تحت نظام عمر البشير، وبعد أربع سنوات حصل على الجنسية الأميركية وهو في الخامسة والثمانين من عمره، وقد تناقلت وكالات الأنباء الخبر، وتناقضت حوله المواقف بين داعم مساند ورافض منتقد، لكن أغلب الناشطين في الساحة الثقافية رأوا أن من حق فنان كبير وباحث أكاديمي بتجربة الكابلي أن يقضي بقية حياته في هدوء وأمان مع أفراد أسرته في بلد يقدّر إضافته العميقة للفن السوداني والتراث الإنساني عموما.

الإرث الواسع
♫ يجمع أغلب المهتمين بالساحة الفنية السودانية أن الكابلي قامة إبداعية متفردة بلغت درجة العبقرية

في الثالث من ديسمبر الجاري أعلن عن وفاة الكابلي بعد مسيرة عطاء فنية امتدت 60 عاما، وذلك عن عمر ناهز 90 عاما ، وقد جاءت وفاته بعد أن كان قد دخل منذ أكثر من ثلاثة أشهر في العناية المركزة بإحدى مستشفيات ولاية ميتشغن في الولايات المتحدة.

رحل الكابلي تاركا وراءه رصيدا ثريا من الأعمال الغنائية كلمة ولحنا وأداء ومن الأبحاث والدراسات الأكاديمية الفنية والتراثية، ولعل من أبرز أغانيه قصيدة شاعر الدهليز توفيق صالح جبريل “كسلا”، وفيها يقول ”نضّرَ اللهُ وجهَ ذاكَ الساقي، إنه بالرحيقِ حَّل وثاقي، فتراءى الجمالُ مزدوجَ الإشراقِ، يصبو ُمعدد الآفاقِ“، وقصيدة الشاعر محمد المهدي المجذوب ”درج الناس على غير الهدى، لا يبالون وقد عاشوا الردى، جنحوا للسلم أم ضاعوا سدى، أيكون الخير في الشر انطوى“.

إضافة إلى قصيدة محمود عباس العقاد الفريدة التي يقول فيها ”وهذا النور يبسُم لي، عن الدُنيا ويفترُّ، وأنظرُ لا أرى بدراً، أأنت الليلة ُ البدر، وبي سُكرٌ تملّكني، وأعجبُ كيف بي سكرُ، رددت الخمرَ عن شفتي، لعل جمالك الخمرُ“.

ومن بين أبرز ما يعرف من أغاني الكابلي النشيد القومي من كلمات الشاعر أبوآمنة حامد الذي قال فيه ”قم صلاح الدين وأشهد بعثنا، في لقاء القائد المنتصر، شعبنا الأسمر من فرحته، يزرع الدرب بحُبٍ أخضر“.

كما اجتمع الكابلي مع الشاعر الراحل محمد الفيتوري في عدد من الأعمال الفنية من بينها قصيدة ”معزوفة لدرويش متجول“ ومن أبياتها ”في حضرة من أهوى، عبثت بي الأشواق، حدّقت بلا وجه، ورقصت بلا ساق، وزحمت براياتي، وطبولي الآفاق، عشقي يفنى عشقي، وفنائي استغراق، مملوكك لكني سلطان العشاق“.

تعامل مع أغلب شعراء السودان ومن بينهم الشاعر صديق مدثر في ”ضنين الوعد“ و“نشيد التعاون“، وعبدالعزيز جمال الدين في ”لو تصدق“، وإسحاق الحلنقي في ”عقبال بيك نفرح يا زينة“، وآخرين، ولذلك يعتبر المؤرخ السر أحمد قدور أن الكابلي هو صاحب الفضل الأول في إعادة الأغنية السودانية الفصيحة إلى الوجود، بعد أن كانت قد طُمرت تحت تراب العامية، وأنه عندما صعد الكابلي الى خشبة المسرح في مطلع الستينات ليغني ”عندما أعزف يا قلبي الأناشيد القديمة، ويرفُّ الفجر في قلبي على أجنح غيمة“ كان يؤذن ببداية عهد جديد للغناء في السودان.

ألّف الكابلي عدداً من الأغاني والأناشيد لنفسه من بينها ”زمان الناس“، ”زينة وعاجباني“ و“أسمراني“ وغيرها.

كما غنى قصيدة الشاعر أبي فراس الحمداني ”أراك عصي الدمع“ وقصيدتي الشاعر علي محمود طه ”الجندول“ و“ليالي كليوباترا“، وقصيدة يزيد بن معاوية ”أمطرت لؤلؤا“ ومن قصائد أحمد شوقي ”صداح يا ملك الكنار“.

وقدم الكابلي عددا كبير من الأغاني التراثية ومن المدائح النبوية، وأغلب أغانيه كانت من ألحانه ما عدا النزر القليل من ألحان فنانين آخرين، كما أهدى عددا من الأعمال الفنية من كلماته وألحانه إلى عدد من زملائه الفنانين من بينهم عبدالعزيز محمد داوود وأبوعركي البخيت وكمال ترباس وعمر الشريف وإبراهيم عوض.

يعتبر الكابلي نيلا ثالثا إلى جانب الأبيض والأزرق، ربما هو النيل الأسمر الذي أثرى الحياة الروحية والوجدانية لشعبه، وصنع لنفسه امتدادا في كل نبض حي في وطنه، حيث من النادر أن يكون هناك فنانون يتمتعون في مجتمعاتهم بما تمتع به الكابلي ولا يزال من تأثير هائل وحضور دائم داخل مجتمعه، وعلى مرّ العقود الماضية لقّب بعبقري الموسيقى السودانية، ولن يفارق ذلك اللقب اسمه طالما لا تزال أعماله تشنف الآذان وتخاطب الأرواح وتجد حظوة في العقول.

♫ أثر الكابلي لم يكن محدوداً بالسودان وحده. ففي جولاته الخارجية حول العالم حمل معه رسالة السلام.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *