
إنغلاق التفكير يبدد فرص تبديل حال السودانيين إلى الأحسن!
عبد الله بشير
في إحدى ولايات السودان الوسيطة، وعقب تحريرها من المليشيا، كنت حضورا لإجتماع ضم الرجل الأول في الولاية مع إحدى منظمات الأمم المتحدة التي حضرت إلى الولاية المحظوظة لتنفيذ مشروعات خدمية بتمويل من دولة خليجية شقيقة.. وخلال اللقاء ذكر أحد الحاضرين أن هذه الدولة الشقيقة طلبت استفسار الولاية عن سؤال محدد ومعرفة الإجابة عليه.. ومفاد السؤال: هل تم تحرير أراضي الولاية بالكامل..؟! وذلك حتى تقوم هذه الدولة الخليجية بتقديم المزيد من المشروعات، فكان تأكيد الرجل الأول: أن الولاية باتت محررة بالكامل وآمنة من أي تهديد..
عقب اللقاء قدمت نصيحة لمسؤول إعلام الولاية أن يخرج الوالي على الإعلام ويعلن بصورة واضحة تترجم إلى لغات العالم ليسمعها الجميع، أن الولاية باتت آمنة بعد تحريرها بالكامل من أي تواجد للمليشيا.. وأظن أن المسؤول قد نسي العمل بالنصيحة أو أنه لم يعتبرها مهمة ..
الحكومة بصفة عامة والولايات بصفة خاصة تفوّت على نفسها وشعبها كثيرا من الفرص المضاعة بسبب اللامبالاة وإغلاق الأبواب والآذان عن إلتقاط الأفكار التي يطرحها الراي العام وقادته وتكتفي بالإعتماد في رسم سياساتها على موظفي الدولة الذين يعملون في ظروف معلومة تجعلهم أسيري الروتين فيحجمون عن تقديم الأفكار الخلّاقة.. ولو أنهم اجتهدوا في التفكير داخل الصندوق وليس خارجه، وفي حدود واجباتهم والتزاماتهم المهنية لتبدل الحال إلى الأحسن، خاصة أننا في فترة صعبة على الحكومة والمواطن معا.. الحكومة معلوم أنها بلا موارد تصرفها وما تجنيه يذهب جله في معركة الدفاع عن الكرامة، وهذا واجب وحق لا خلاف عليه.. أما المواطن فحاله يغني عن الشرح والتفسير بعد أن أخذت الحرب منه ما يملك من متاع وافقدته وظيفته أو وسيلة كسب عيشه، فأصبح يجابد ويكابد لتوفير الحد الأدني من متطلبات أسرته..
فلنأخذ مثالا على عجزنا على عرض حالنا على الآخرين.. فطالما أن هناك أسرة قد فقدت عائلها أو تهدم منزلها أو.. أو.. أو.. فلماذا لا تمكّن الحكومة او توجه المجتمع ومنظماته ولجانه من القيام بحصر المواطنين والمعتقلين الذين فقدوا حياتهم، وكذلك حصر المنازل التي تضررت او تهدمت كليا في كل ولاية من الولايات..
بعدها يمكن إعلان أرقام وإحصائيات بالأضرار التي وقعت على المواطنين .. كم عدد المتوفين وكم تبلغ قيمة الخسائر في المنازل المهدمة مع تحديد تكلفة إعادة بنائها..
ولنذهب أبعد من ذلك ونطلب من الدول الشقيقة في مجلس التعاون الخليجي او الجامعة العربية مثلا تبني حملة الإعمار وجبر ضرر المواطنين بالكامل، ولتنطلق حملات شعبية تقودها منظمات المجتمع المدني في تلك الدول لحث مواطنيها على التبرع لاشقائهم في الدين والعروبة.. حتما ستنجح مثل هذه النداءات ولن يبخل الأشقاء بالوقوف مع أشقائهم في ظل التعاطف الكبير مع واقع السودانيين خلال الحرب.. تماما كما وقف السودانيين خلال عشرات السنوات مع قضايا العرب والمسلمين فكيف كانوا سبّاقين وجادوا لها بالنفس والمال..
خلال سنوات خلت مسحت الأمطار والسيول إحدى القرى في نهر النيل من الخارطة بعد أن دمرت منازلهم وتركتهم في العراء.. شباب المنطقة اهتدوا لفكرة عبقرية حيث قاموا بحصر عدد المتضررين وحساب تكلفة بناء الغرفة الواحدة وأعلنوا عن مشروع “غرفة لكل أسرة” ووضعوا ارقام الحسابات، كانت الإستجابة هائلة وانهالت التبرعات المادية والعينية وتم تنفيذ المشروع الذي استوعب أكثر المتضررين من أهل القرية، التي استطاع شبابها بفكرة بسيطة وعملية أن يستعيدوا الحياة لأهلهم..
هذا الأنموذج ما نريد أن يعمم.. ولا نتعلل بشماعات الإمكانيات والإنكفاء على الذات وممارسة الزهد في مواجهة قضايانا.







