رأي

أصل القضية/ محمد أحمد أبوبكر.. حين يصنع السوداني قيده بيديه

| من سلسلة الجسر والمورد

في السودان، ليست مشكلتنا في ما يُقال عنّا… بل في ما نقوله نحن عن أنفسنا.

وليست الأزمة في الوقائع… بل في الوعي الذي يقرأ تلك الوقائع.

وما يحدث اليوم ليس مجرد انقسام سياسي أو صراع نخب، بل هو—وفق استراتيجية «الجسر والمورد»—أخطر دائرة يعبرها الوعي السوداني منذ عقود:

> دورة إعادة إنتاج الاستلاب الداخلي

> The Cycle of Internal Alienation Reproduction

دورة تبدأ في العقل، ثم تنتقل إلى المجتمع، ثم تعود إلى الدولة، فتغلق نفسها كحلقة محكمة…

كلما حاولنا الخروج منها، أعادتنا إليها ثقافة متوارثة، وخطاب مسلّط، ووعيٌ مكسور.

هذه المقالة امتداد لمقال الأمس؛ ومحاولة لفكّ تلك الحلقة وتفسيرها عبر نموذج نظري مستوحى من خمس مدارس فلسفية واجتماعية كبرى، تعطي كل واحدة منها جانبًا من الحقيقة… ويكمل بعضها بعضًا.

أولًا: جذور الدائرة – كيف يتشوه الوعي السوداني؟

١) الاستلاب الهيغلي-الماركسي: حين يفقد الإنسان ذاته

حين تُسلب أدوات التفكير من المجتمع لصالح النخبة، وحين يصبح الشعب «مفعولًا به» لا «فاعلًا»، يتولد الاستلاب الأول.

هنا يبدأ السوداني في النظر إلى ذاته من نافذة الآخرين—ليس من نافذته.

كل إنجاز يحتاج شهادة، وكل رأي يحتاج ختمًا، وكل خطوة تحتاج إذنًا.

وتضعف الثقة بالنفس حتى تصبح القناعة العامة:

“السوداني لا يصنع، بل يُصنع له.”

هذا هو الاستلاب الأول… حجر الأساس.

٢) نظرية ما بعد الاستعمار: حين يسكن المستعمر داخل العقل

فانون وإدوارد سعيد يشرحان هذا بدقة:

الاستعمار لا يخرج من الأرض… بل يبقى داخل الوعي.

بعد خروجه، ترك للمجتمع السوداني مرآة مشوهة:

> الآخر دائمًا أجمل، والأجنبي دائمًا أقدر، والسوداني دائمًا ناقص.

هنا تبدأ المقارنة الظالمة:

●نقارن إمكاننا المحدود بمنجزات الآخرين بلا سياق.

●نقيس حاضرنا المضطرب بمستقبلهم المستقر.

●نقارن أنفسنا بمرآة لا تعكسنا.

> وهذا يولد ثقافة دونية غير مرئية… لكنها فاعلة.

٣) هيمنة غرامشي الثقافية: حين تُحتكر الرواية

في السودان، لم نمتلك يومًا رواية وطنية موحدة.

فكل فصيل سياسي، وكل نخبة، وكل طبقة ثقافية… صنعت روايتها الخاصة.

وبغياب «قصة السودان الكبرى»، أصبح تفكير المجتمع ملكًا لفئة تتحدث باسمه دون أن تمثله.

هنا تتكرس:

●طبقية سياسية

●مصادرة للعقل

●احتكار للخطاب

●اصطفاف دائم

> فتصبح البلاد مسرحًا لـ«هيمنة ثقافية» لا تُرى… لكنها تتحكم في اتجاهات الرأي.

٤) متلازمة الدونية الجماعية: حين يخاف المجتمع من نجاح أبنائه

●حين تفشل الدول طويلًا، يتولد إحساس بالهامشية.

●وحين يفشل النظام التعليمي والسياسي في إنتاج قدوات، تصبح كل قامة سودانية عالية… تهديدًا للآخرين.

فلا عجب أن:

●النجاح يُستقبل بالريبة.

●الموهبة تُعامل كجريمة.

●القائد يُسحب للأسفل.

●الإنجاز السوداني يُسحق قبل أن يولد.

> هذه ليست صفات أفراد… بل متلازمة جماعية توارثها المجتمع.

٥) نظرية الفوضى المنظمة: حين يُدار البلد بالانقسام

●كلما هدأت البلاد، صنعت النخب سببًا جديدًا للانقسام.

●كلما حاول السودانيون الاتفاق، ظهرت جهة تغذي الاصطفاف.

●كلما اقترب الناس من بناء وعي جديد، استعادت القوى القديمة سيطرتها.

> هكذا يُعاد إنتاج الانقسام…

ليس لأن السوداني يحب الصراع، بل لأن بنية الفوضى تخدم من يعتادون عليها.

ثانيًا: دورة إعادة إنتاج الاستلاب الداخلي – النموذج النظري

وفق استراتيجية «الجسر والمورد»، يتشكل النموذج النظري لدورة الاستلاب الداخلي عبر أربع مراحل كبرى، تتكرر في التاريخ السوداني كعجلة لا تتوقف:

١) مرحلة التأسيس: تشوه الوعي

> (الاستلاب الفكري + إرث الاستعمار)

ملامحها:

●احتكار النخب للعقل.

●فقدان الثقة بالذات.

●تقديس الخارج وازدراء الداخل.

●تحويل الشعب إلى متلقٍ لا صانع مصير.

٢) مرحلة الهيمنة: صناعة الاصطفاف

> (الهيمنة الثقافية الغرامشية)

ملامحها:

● تقسيم المجتمع إلى فئات «مُخوّلة» وأخرى «منزوع عنها الشرعية».

●شيطنة المختلف سياسيًا.

●تحويل السياسية إلى هوية طبقية.

●مصادرة العقل تحت شعارات الوطنية أو الثورة أو الأخلاق.

٣) مرحلة التكسير الداخلي: جلد الذات وإلغاء السوداني للسوداني

> (متلازمة الدونية الجماعية)

ملامحها :

●تحطيم القدوات المحلية.

●التشكيك في كل مبادرة سودانية.

●مقارنة ظالمة مع الخارج.

●تكسير أي مشروع نهضوي في بدايته.

٤) مرحلة إعادة الإنتاج: عودة الفوضى والصراع

> (الفوضى المنظمة)

ملامحها:

●تظهر نخبة تستفيد من تفكك الوعي.

●تُعاد صياغة الانقسام بأسماءجديدة.

●يعود المجتمع للدائرة الأولى.

●يتجدد الاستلاب… كأنه بدأ للتو.

ثالثًا: السودان بين الجسر والمورد – هل يمكن كسر الدائرة؟

استراتيجية «الجسر والمورد» لا تنظر للسودان كدولة منهكة فقط، بل:

●جسر بين إفريقيا والعالم العربي.

●مورد للطاقات البشرية والموارد الطبيعية.

●هوية لم تُكتشف.

●وعي لم يُحرر.

●سردية وطنية تنتظر من يكتبها.

●مفتاح العبور… ليس في السياسة، بل في إعادة بناء الوعي.

> الوعي ليس مجرد رأي… بل هو مناعة وطن.

> والوعي ليس كلمات… بل مشروع دولة.

> والوعي ليس نقدًا… بل قدرة على تجاوز جلد الذات.

كسر دائرة الاستلاب يبدأ من لحظة يدرك فيها السوداني أن قيمته ليست

■مما يقوله الآخر عنه…

■بل مما يصنعه هو لنفسه.

رابعًا: أصل القضية…

ليس ما يحدث في السودان خلافًا على السلطة فقط، بل:

صراع على الوعي

معركة على الرواية

وحربًا ضد الذات قبل الآخر

إنها دائرة تعيد إنتاج نفسها بلا توقف…

ما لم نكسرها بفكرة، ونواجهها بوعي، ونعبر فوقها بجسر جديد.

وما هذه السطور إلا محاولة نرمي بها سهمًا في ثغر معركة الوعي،

علّنا نعيد للسوداني ثقته،

وللوطن رايته،

وللسودان مكانته بين الأمم.

– باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى