رأي

أصل القضية/ محمد أحمد أبوبكر.. من التفكير عن الدولة… إلى التفكير للدولة (٢-٥)

| من سلسلة الجسر والمورد

من التفكير عن الدولة… إلى التفكير للدولة(٢-٥)

ليس غريبًا أن تغيب مراكز الفكر عن طاولة القرار في السودان.

الغريب…

أن يُدافَع عن هذا الغياب.

أن يُقدَّم كأمر طبيعي،

أو كترف مؤجَّل،

أو كمسألة “نضج سياسي لم يحن بعد”.

لكن الحقيقة أبسط… وأخطر.

هناك من يخاف من مراكز الفكر حين تكون فاعلة.

وهنا تبدأ أصل القضية.

 

> الخوف من العقل… لا من الفكرة

 

الدولة التي تُدار بالارتجال،

لا تخشى الفكرة بحد ذاتها،

بل تخشى ما تفرضه الفكرة من التزام.

مركز الفكر الفاعل:

يسأل عن البدائل

يكشف كلفة القرارات

يفضح القرارات المؤجلة

ويضع المسؤول أمام مرآة النتائج

وهذا مزعج…

لمن تعوّدوا على:

●إدارة الوقت بدل إدارة الدولة

●إطفاء الحرائق بدل منعها

●الاحتماء بالظرف بدل بناء المسار

الفكرة المدروسة تُقيِّد،

والارتجال يُحرِّر…

لكن إلى الهاوية.

 

> لماذا يُكافأ القرار العاجل ويُهمَّش القرار الذكي؟

في المشهد السوداني،

هناك مفارقة صادمة:

القرار السريع يُصفَّق له

القرار المدروس يُشتبه فيه

لأن القرار الذكي:

يحتاج وقتًا

يتطلب تنسيقًا

يفرض مساءلة لاحقة

بينما القرار العاجل:

لا يُراجع

لا يُحاسَب

ولا يُقاس أثره

وهكذا،

يتحوّل غياب مراكز الفكر

من خلل…

إلى ميزة غير معلنة في نظام هش.

مراكز الفكر والسلطة: علاقة غير مريحة

مركز الفكر الحقيقي لا ينازع السلطة،

لكنه لا يُجمّل لها الطريق.

هو يقول:

هذا المسار ممكن… لكن كلفته عالية

هذا القرار شعبي… لكن أثره مدمر

هذا الخيار آمن اليوم… وخطير غدًا

وهنا تكمن الإشكالية:

السلطة المرتبكة لا تريد “حقيقة مُركّبة”،

بل تريد “قرارًا قابلًا للتسويق”.

ولهذا،

يُستبدل العقل بالحدس،

والتخطيط بالنية الحسنة،

والسياسة بالتصريحات.

 

> التفكير الاستباقي… حين يسبق الوعي الخطر

في تأمل دقيق لسورة النمل، نجد نموذجًا مبكرًا لما تسميه الأدبيات الحديثة: التنبؤ بالأزمة وتقدير الموقف.

النملة لم تنتظر وقوع الخطر، ولم تُسيّس الحدث، ولم تفترض نوايا عدوانية، بل قدّرت المشهد كما هو:

قوة عسكرية عابرة، أثرها محتمل، ونتيجتها كارثية إن لم يُتخذ إجراء.

فقالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

هذا ليس خوفًا… بل وعيًا.

وليس انسحابًا… بل إدارة ذكية للخطر.

هكذا تعمل مراكز الفكر حين تكون في موقعها الصحيح:

لا تُشيطن الفاعلين،

لا تُهوِّل التهديدات،

لكنها تُنذر مبكرًا،

وتُقدّر الموقف،

وتقترح مسارًا يقلل الخسائر قبل أن تُدفع أثمان لا لزوم لها.

 

> من يخاف تحديدًا؟

الخوف لا يقتصر على جهة واحدة.

● يخاف بعض التنفيذيين

لأن مركز الفكر يسأل: لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟

● يخاف بعض الفاعلين السياسيين

لأن التخطيط يكشف هشاشة الشعارات.

● يخاف بعض الشركاء الخارجيين

لأن مركز الفكر السيادي يعيد تعريف الأولويات الوطنية.

■ لهذا:

تغييب مراكز الفكر ليس صدفة…

بل خيار مريح لكثيرين.

حين يصبح التفكير جريمة ناعمة

في بيئات الأزمات،

يتحوّل التفكير العميق إلى تهمة غير مُعلنة:

●“هذا تنظير”

●“البلد ما مستحملة”

●“خلونا نمشي خطوة خطوة”

●”البلد ما ناقصة تنظير”

لكن السؤال الذي لا يُقال: إلى أين نمشي؟ وبأي خريطة؟

الدول لا تنهار فجأة،

بل تنهار حين تتوقف عن التفكير المنهجي،

وتستبدله بإدارة البقاء.

 

> حين يُقحم الفكر نفسه في الواقع

في مركز الخبراء للدراسات الإنمائية،

التفكير لا يُقدَّم كترف نخبوي،

بل كأداة تقليل خسائر.

الفكرة لا تُطرح إلا إذا:

أمكن اختبارها

رُبطت بسياق الدولة

أُخذت في الحسبان قيود التنفيذ

لهذا،

قد لا تكون كل الأفكار “مريحة”،

لكنها قابلة للمساءلة…

وهذا جوهر الشراكة مع الدولة.

#أصل_القضية،،،

السودان لا يعاني من غياب العقول،

بل من خوفٍ مزمن من العقل حين يُصبح فاعلًا.

وحين يُفضَّل قرار الصدفة على قرار التخطيط،

تتحول الدولة إلى رهينة اللحظة…

ويدفع المستقبل الثمن.

نواصل … في #أصل_القضية، ونذهب أبعد:

كيف تتحول مراكز الفكر من ناقد خارجي

إلى شريك سيادي غير رسمي في صناعة القرار؟

وما النموذج الذي يناسب السودان؟

– باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى