
الحرب الثانية.. استغلال النزوح وتفكيك المجتمع السوداني
د. صلاح المجذوب
المواطن السوداني اليوم معرض للجوء أكثر من أي إنسان على وجه الأرض بمعدل ثلاثين مرة.. هذا تقرير (وحدة الإتصال والإعلام في الإسكوا).. فقد نزح أهلنا تحت الدخان ووابل الرصاص ينشدون الأمان في بلدان أخرى كمصر و وإثيوبيا وإريتريا وليبيا ويوغندا وغيرهما من البلدان.
وقد أصبحت مشكلة النازحين أكثر إلحاحا وتعقيدا مع اشتداد الحرب وانتقالها من إقليم الي أخر، وتعدد المشاركين فيها والمنتفعين من إدامتها.
لم يعد مقبولا التذرع بالمبررات التي أدت لنشوب هذه الحرب، فضعف الموارد وعدم عدالة توزيع الثروة والسلطة في زمن هدرها في السلاح، ولا تنجع معالجه التبعات دون الأسباب، والمساعدات الإنسانية لاتكفي دون حلول تنهي هذه الحرب التي تدفع الفرد والجماعات إلي الرحيل، وتضع حدا لكل سياسة تجعل المواطن في بلاده مجبرا فيبدو المنفى اختيارات، وهو اضطرار وراحة وهو تعب، (وأنسا وهو وحشة).
الملايين من أبناء الوطن نزحوا، وفقد ابناءهم فرص التعليم والعلاج، وضاعت عنهم سنوات من التحصيل الأكاديمي وتعرضوا لظلم وقهر لا يعوّض إلا بالرجوع إلى ديارهم.
فنزوح أهلنا لم يكن بفعل كارثة طبيعية من براكين وزلازل وفيضانات، بل هي بفعل الخيانة والعمالة ضد الوطن.. وقدمت مساعدات لبعض نازحي الداخل، لكنها بقليل من الدعم الخجول من بعض الدول.

ولكن لننظر إلي الجانب الآخر من النزوح وخصوصا النزوح الخارجي، فرغم أنه أمان للأسر والمواطنين إلا أنه جلب لنا ما قد يتسبب يوما في انهيار مجتمعنا كله إن لم نتدارك عواقبه.. كلنا نتابع ما تنقله الوسائط من انحلال أخلاقي لأبنائنا في بعض الدول التي نزحوا إليها.. تعري وفجور ومخدرات وليالي حمراء، حتى بتنا لا نعرف من هو ابن البلد ومن هو الأجنبي، فقد وصل الأمر لدرجة الانحلال الكامل للأسر.. فقدنا كل القيم التي تربينا عليها وكذلك إرثنا الثقافي والحضاري، وبات البعض في الخارج يظن أنه وصل إلى قمه الرقي والتحضر بمجاراته للغير بأفعاله المشينه تلك..
حتما سيعود هؤلاء الي الداخل محملين بأدران ما اكتسبوه من كل أنواع الانحطاط وتلك المكتسبات الرذلة، ليتعايشوا مع المجتمع بما احتقنوا به من فايروسات قد تكون سببا في انهيار قيمنا الأخلاقية وتفكيك مجتمعنا المحافظ.
واهم من يظن أن العدو سوف يغض الطرف عنا ويدعنا في حالنا، فالحرب القادمة بدأ التحضير لها قبل انطلاق الرصاصة الأولى في المدينة الرياضيه.. حرب الهدم الاخلاقي والتآكل من الداخل جند لها المئات في الخارج لاحتضان الشباب النازحين وادخالهم معامل التجريف القيمي وأعاده غسل ادمغتهم وحقنهم بفايروس “المدنية والحضارة” وتم تجهيزهم للمعركة القادمة بعد وقف البندقية..
وقد بتنا نشاهد ونرى كل يوم على الميديا من كل أنواع التردي الأخلاقي ما يشيب له الولدان..
وبالأمس القريب خرج شباب في مواكب بأمدرمان والحرب مشتعلة ولم تجف دماء الشهداء بعد.. من أين اتي هؤلاء وهم بتلك الهيئة؟؟، بنات عاريات الصدر وأولاد “لا فرق بينهم وبين أخواتهم”.. هذه الطليعة الأولى وبالونة الاختبار، فقد دفع من يقف وراء هذه الحرب المليارات من الدولارات ليس لينهزم في ميادين القتال العسكري ويجرر أذياله مطاطئ الراس، ولكنه وضع الخطط والبدائل لكسب المعركة من نواحي أخرى، فوجد ضالته في بعض ضعاف النفوس من الشباب في الطرفين بأكاذيب العيش الرغد والمدنية والحضارة والرقي وأحلام أفلاطون بالمدينة الفاضلة(اليوتويبا)..
فالخطر القادم من الفئة التي أشرنا إليها، وراءه بعض الدول المعاديه لنا والتي اسهمت في إشعال الحرب.. وقد بدأت بعض الملامح في ظهور بعض الكافيهات في العاصمة وبعض المدن لتصرف الشباب عن نداء الجهاد والذود عن الوطن.. فكيف يعقل بالسماح لمثل هذه الظواهر بالتواجد والدولة تنادي بالاستنفار.
هذا هو الخطر القادم والسرطان الذي يدب في أوصال الأمة حتى يتمكن منها.. وحينها لن ينفع العلاج الكيماوي ويبقى البتر هو الخيار، وهذا ما يريدونه لتتكالب علينا منظمات العمالة وما يعرف بحقوق الإنسان لنعود الي المربع الأول، الحرب أو البند السابع أو تفكيك الوطن.
فالخطر القادم ليس طائرات مقاتلة أو حشود عسكرية و معسكرات في الحدود، فقد جربوا من قبل وخبروا صلابة وشراسه المقاتل السوداني، ولكن الخطر أولئك الذين تم إنتاجهم في مختبرات ومعامل استخبارات العدو، يحملون أخطر انواع الفايروسات الهدامة للمجتمعات.






