رأي

حمدوك: أنا ابن الخطيئة!

عبد الله بشير

ينشغل السودانيون بمتابعة أخبار الحرب، ويتلمّسون ما ينشر عن انتصارات الجيش على من يقصفون القرى ويحاصرون المدن، وتحمل هذه الإنتصارات رمزية كبيرة للمواطنين إذ تعني إنهاء معاناة مئات الآلاف الذين يدفعون ثمن ممارسات مليشيا الدعم السريع، كما أن السودانيين تجذبهم ما تنشره وسائل الأعلام وما تحمله وسائل التواصل من بشريات عودة العافية تدريجيا إلى مدنهم وقراهم التي دمرتها المليشيا بسلاح الداعمين من الخارج.

تمثل تلك القضايا انشغالات لها الأهمية القصوى لدى السودانيين عمّا عداها، لكن على هوامشها تقفر أحداث هي أقل أهمية بالنسبة إليهم، لكنها تحشر نفسها بين زحام الأحداث رغم ضعف تأثيرها على المشهد عموما.

ومن تلك الأحداث المتطفلة على اهتمامات الرأي العام، جولات وزيارات ما تدعي أنها قوى مدنية تسرق لسان السودانيين المكتوين بجمر الحرب، وتحاول ان تسوق نفسها من جديد في مزادات دول أوروبا، والتي هي بدورها تحاول أن تلعب دورا وان تكون حاضرة في مشهد الأزمة السودانية بكل ما أوتيت من ادوات..

في اعتقادي أن الدور الأوروبي أضمحل في التأثير الإيجابي على الفاعلين خاصة الحكومة، وذلك لعدة أسباب أهمها سببين رئيسيين، الأول: أن أوربا ظلت تمارس سياسة إزدواجية المعايير تجاه الأزمة السودانية التي باتت لا تحتمل مجرد إظهار التعاطف الإنساني وإصدار بيانات فرض عقوبات على أفراد او شركات على صلة بالجيش او المليشيا، والإكتفاء بذلك والإحجام عن التحرك الإيجابي لإطفاء نيرانها.. وفي رأيي أن التعويل على مواقف مجلس الأمن والوعود الاوروبية الكذوب قد أدى إلى تطاول المشكلة مع غياب رؤية واضحة تساعد في إيجاد حلول عملية.. وثاني أسباب اضمحلال الدور الأوربي هو تراجع تأثيره بعد رمي الولايات المتحدة لثقلها في الملف السوداني، وفق طريق يمر عبر دول في المنطقة معظمها يثق فيها السودان على رأسها السعودية ومصر، هذه الدول تحرص أن لا تتجاوز الحلول رؤية حكومة السودان الشرعية وأهمها الحفاظ على وحدة السودان، وهي رؤية تتفق مع الاتجاهات الشعبية، فالسودانيون يرغبون في تحقيق السلام دون ان تعود مليشيا الدعم السريع إلى الواجهة مرة أخرى أو تمكين المشروع الخارجي الذي استخدمها كأداة لقتل وتهجير السودانيين من ديارهم.

تابع السودانيون “على هامش انشغالاتهم بما يجرى حولهم” ما قاله رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف “صمود”، عبد الله حمدوك، بأن تجربة الشراكة بين المدنيين والعسكريين كانت “خاطئة”.

وهنا بطبيعة الحال لن نواجه تحالف حمدوك بمسلّمات رسخت في أذهان السودانيين بأن هذا التحالف يوفر الغطاء السياسي لانتهاكات المليشيا “وهي الحقيقة التي يحاول التهرب منها”، ولنناقش حمدوك بنفس منطقه الذي نطق به في ندوة لندن مؤخرا عندما أشار إلى خطأ تحالف المدنيين مع العسكريين، بل ونوافقه بصحة ما ذهب إليه، ونزيد بالإستنتاج أن من تبعات ذلك الإعتراف أن “شرعية حمدوك” بنيت على باطل، “وما بُني على باطل فهو باطل”.. وعلى هذا فإن مجئ رئيس الوزراء السابق للمشهد السياسي هو “خطيئة” جاءت نتيجة نزوة جنحت لها قوى الحرية والتغيير التي فضّلت جر العسكريين إلى التحالف معها خلال الفترة الإنتقالية لعدم قدرتها على تحمل أمانة إدارة الدولة بدون غطاء منهم.

تصريحات حمدوك واعترافه المتأخر نزع الشرعية عن الفترة الإنتقالية -التي يتباكون عليها- بأكثر مما فعلت قرارات البرهان في 25 أكتوبر.

وفي ما يتعلق بتساؤلات طرحت على حمدوك حول كيفية إيقاف الحرب في ظل أن القوى المدنية لا تملك السلاح، هوّم رئيس الوزراء المعزول كعادته في فضاء التعميم بقصد “الخمْ”، عندما أجاب: إنهم وإن كانوا لا يملكون البنادق، إلا أنهم يملكون قوة أهلهم وشعبهم والشارع العريض، وهو سلاح مجرّب أسقط الدكتاتوريات.. ويكفي في الرد على هذه التهويمات بالكلمات التي نطقت بها آلاء صلاح “أيقونة الشارع العريض” وابنة ديسمبر، وكانت أمضى سلاح يملكه المدنيون لعبروا به عن ما يواجهه اهلهم من محن.. ويكفي

أنها أعلنت انها ضد الجنجويد المليشيا (قتلة الأحلام ومغتصبي الأمان).. وضد قحت وصمود وتأسيس (تجار الشعارات، اللاهثين وراء بريق السلطة والمشترين بالثمن البخس).. وهذه الكلمات هي مرآة الشارع الحقيقي لا الشارع الخيالي والتي تعكس حقيقة حمدوك وشلته جماعة إنكسار لا “صمود”..

في ندوة لندن أيضا تحدث حمدوك عن أن تحالفه منفتح للعمل المشترك مع قوى سياسية بينها الكتلة الديمقراطية، تأسيس، المؤتمر الشعبي، وحركة عبد الواحد نور، في إطار ما وصفه بـ”عقد اجتماعي جديد” يعالج قضايا المواطنة وعلاقة الدين بالدولة.. وهو ما يدل على القصر عن فهم الواقع ومحدودية التفكير في المآلات.

وهذا موضوع آخر سنعود لمناقشته على نار هادئة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى