
أصل القضية/ محمد أحمد أبوبكر.. صناعة السردية.. وادوات تفكيكها
| من سلسلة الجسر والمورد
> «أخطر الأكاذيب ، تلك التي لا تُفرض بالقوة، بل تُمرَّر بوصفها وعيًا».
منذ سبتمبر ٢٠١٨م،
لم يُطلب من السوداني أن يُغيّر موقفه،
بل أن يُغيّر طريقته في الفهم.
وهنا، بهدوءٍ شديد،
بدأت السردية.
١) السردية لا تبدأ بالكذب… بل بالاختزال
لم تقل لنا وسائل التواصل: هذا باطل
بل قالت: هذا كل ما في الصورة.
اختُزل الواقع:
في ثنائية حادة
في معسكرين
في تصنيف سريع
فلم نعد نرى التعقيد،
ولا السياق،
ولا التاريخ…
بل نرى نسخة جاهزة للفهم،
مريحة،
وسهلة التداول،
وقابلة للتعبئة.
وهكذا، دون صدام،
بدأ الاستلاب.
هل لاحظت أحيانًا أن الواقع يُعرض في نسخ مبسّطة جدًا؟
ثنائية صارمة، معسكرات جاهزة، تصنيفات سريعة… هل شعرت أن تعقيد الموقف اختفى فجأة؟
في هذه اللحظات، لا يلاحظ الكثيرون أن الاختزال نفسه هو بداية الاستلاب
٢) متى يصبح “الوعي” أداة ضبط؟
حين يُكافَأ الرأي لا لعمقه،
بل لانضباطه داخل السردية.
منذ ٢٠١٨م،
لاحظنا بهدوء:
من يُكرّر يُرفع
من يسأل يُربك
من يُربك يُتّهم
ومن يُتّهم… يُقصى
ليس لأن السؤال خاطئ،
بل لأنه غير مريح للسردية.
هنا لا يُعاقَب الخطأ،
بل يُعاقَب الخروج عن النص.
هل سبق أن شعرت أن رأيك لم يُقَدَّر إلا حين يتوافق مع صوت الأغلبية؟
وهل تذكرت موقفًا شعرت فيه أن السؤال أزعج الآخرين، أو أن أحدهم اعتُبر غير مريح لأنه خرج عن النص المتعارف؟
هنا، ليس الخطأ هو ما يُعاقَب، بل الخروج عن النسق الذي يرضي السردية.
٣) العنف الرقمي: حين يعمل بلا ضجيج
العنف الرقمي في السودان لم يكن دائمًا فظًا،
بل غالبًا:
ساخرًا
تلميحيًا
“نظيف اللغة”
عالي الأخلاق ظاهريًا
لكن أثره كان واضحًا:
كسر الثقة
إرهاق العقل
ودفع الناس إلى الصمت الطوعي
وهنا يتحقق أخطر أشكال القهر:
حين يُقنعك بأن الصمت حكمة،
لا خوفًا.
هل مررت بتجربة شعرت فيها أن لغة التواصل كانت لطيفة، لكن أثرها كان ثقيلًا على ثقتك أو على طاقتك الذهنية؟
العنف الرقمي غالبًا هكذا: ساخر، تلميحي، “نظيف اللغة”، لكنه يكسر الثقة ويشجع على الصمت الطوعي.
هل تذكر موقفًا شعرت فيه أن الصمت كان أكثر أمانًا من الكلام؟
٤) الحرب: لحظة اكتمال السردية
مع الحرب،
لم تُختبر السردية…
بل استُخدمت.
صور بلا سياق،
مقاطع بلا تاريخ،
تحليلات بلا مسؤولية.
لم يكن المطلوب أن تفهم،
بل أن تشعر كما يُراد لك أن تشعر.
الغضب حاضر دائمًا،
لكن التفكير مؤجَّل.
وهكذا تحوّل الوعي من أداة حماية،
إلى وقود نفسي.
هل تذكرت صورًا أو مقاطع حملت إحساسًا محددًا، دون أن تعرف كل التفاصيل أو السياق الحقيقي؟
في هذه اللحظات، لم يكن المطلوب فهم الواقع، بل الشعور بما يُراد لك أن تشعر به.
الغضب حاضر، لكن التفكير غالبًا مؤجل.
٥) التفكيك الهادئ: أين نضع الإصبع؟
تفكيك السردية لا يكون بإنكارها،
بل بسؤالها:
من المستفيد من هذا التبسيط؟
ما الذي أُخرج من الصورة؟
لماذا يُكافَأ هذا الصوت تحديدًا؟
ولماذا يُتَّهَم السؤال دائمًا؟
هذه الأسئلة لا تُهاجم،
بل تُقلق.
والسرديات تخاف القلق أكثر من الخصومة.
لا تحتاج السردية إلى الهجوم المباشر لتنهار. بل حاول أن تسأل نفسك:
من المستفيد من هذا الاختزال؟
ما الذي أُخرج من الصورة؟
لماذا يُكافَأ هذا الصوت تحديدًا؟
ولماذا يُتَّهَم السؤال دائمًا؟
٦) رؤية الجسر والمورد: استعادة المعنى
في الجسر والمورد،
لا نبحث عن معركة،
بل عن استعادة المعنى من تحت الركام.
نُعيد:
الوطنية إلى معناها المركّب
الوعي إلى كونه فعل فهم لا هتاف
والمنصة إلى جسر… لا متراس
الجسر لا ينحاز للضجيج،
بل للعبور الآمن.
#أصل_القضية،،،
منذ سبتمبر ٢٠١٨م،
لم يُختطف وعينا فجأة،
بل دُرّب.
دُرّب على:
التبسيط
الاصطفاف
والخوف من السؤال
و#أصل_القضية ليس إسقاط السردية دفعة واحدة،
بل سحب الأرض من تحتها بهدوء.
لأن السرديات لا تسقط حين نصرخ فيها،
بل حين نكفّ عن تصديقها دون فحص.
ومن يستعيد وعيه اليوم،
لا يحتاج أن يُقاتل أحدًا…
يكفيه..
أن يتابع الأسئلة التي سنوردها عبر #أصل_القضية في مقبل الايام.






