
نصفُ البشرية… داخل دائرة!
د. محمد قرشي عباس
تخيَّلْ أن تُلقي نظرةً على خريطة العالم، فتجد دائرة صغيرة تحتضن أكثر من نصف سكان الكوكب. لا تُغطِّي هذه الدائرة سوى أقل من عُشر اليابسة، ومع ذلك يسكنها ما يفوق أربعة مليارات إنسان!
هذه ليست مبالغة، بل حقيقة جغرافية مذهلة تعرف باسم “دائرة فاليريپيريس” — وهو اسم أطلقه أحد المستخدمين على موقع Reddit عام 2013 حين لاحظ هذه الظاهرة الملفتة. تدور هذه الدائرة حول جنوب وجنوب شرق آسيا، وتضم بلدانًا مثل الصين، الهند، إندونيسيا، بنغلاديش، اليابان، الفلبين، فيتنام، وتايلاند… وغيرهم كثير.
ولكن، لماذا؟
كيف اجتمعت هذه الكثافة البشرية الخارقة في بقعةٍ واحدة من الأرض؟
هل هو محضُ مصادفة تاريخية؟
أم أن وراءها أسرارًا أعمق من أن تُرى بعين الجغرافيا وحدها؟
الأرض التي تُثمر كثافة
ليست كل الأراضي تُنبت بشرًا كما تُنبت الأشجار.
في قلب هذه الدائرة، تجري أنهار الحياة: الغانج، اليانغتسي، المِكونغ… هذه الأنهار لم تكن فقط مجاري ماء، بل شرايين حضارةٍ زرعت الإنسان في ضفافها كما يُزرع الأرز.
المناخ الرطب، والتربة الخصبة، وتعدد المواسم الزراعية، جعلت هذه المنطقة قادرة على إطعام الملايين. فحيثما كَثُر الغذاء، كثُر البشر. ليس الأمر إعجازًا، بل هو قانون الطبيعة الأول: حيث يطيب العيش، يتكاثر الإنسان.
حضارات لا تعرف الانقطاع
هذه الدائرة لم تعرف الانقراض، بل عرفت الاستمرار.
منذ آلاف السنين، ولدت هنا حضارات كبرى: حضارة وادي السند، حضارة النهر الأصفر، وممالك الأرخبيل الإندونيسي. لم تنقطع هذه السلاسل الحضارية، بل توارثت الزراعة، واللغة، والديانة، والسلطة، والطرق، كما يتوارث الأبناءُ أسماءهم.
وهنا تكمن المفارقة: لم تحتج هذه الشعوب إلى الثورة الصناعية لتزدهر سكانيًا؛ بل كان الزخم موجودًا قبل أن تظهر المصانع والمداخن.
الخصوبة الثقافية لا البيولوجية فقط
عند الحديث عن الخصوبة، يتجه الذهن نحو الأرحام. لكن الحقيقة أعمق:
إنّ الخصوبة الثقافية — أي رغبة المجتمعات في إنجاب الأبناء، وتفضيل العائلة الممتدة، والاقتصاد الزراعي الذي يحتاج أيديًا كثيرة — لعبت دورًا هائلًا في تضخم عدد السكان.
ورغم أن معدلات الولادة بدأت في الانخفاض حديثًا (كما في الصين واليابان)، إلا أن الكتلة السكانية الهائلة كانت قد تشكّلت بالفعل، وتسير بقوة القصور الذاتي السكاني.
الاستعمار… لم يُفني، بل ضخَّم
بخلاف ما جرى في الأمريكيتين وأستراليا من إبادة واستيطان، فإن هذه المنطقة لم تُفرغ من سكانها أثناء الاستعمار، بل ازدادت عددًا بفعل تحسن شبكات النقل والصحة.
ثم جاءت فترات ما بعد الاستقلال، فشهدت بعض الدول كالهند وبنغلاديش طفرات سكانية هائلة.
مدن تتضخم كأنها مجرّات
تُعانق هذه الدائرة بعض أكبر مدن العالم: طوكيو، دلهي، شنغهاي، جاكرتا، دكا… مدنٌ لا تنام، تمتصّ الريف، وتخلق بيئات اقتصادية تجذب الملايين.
فلم يعد الأمر مجرد زراعة، بل مراكز جذب حضري، تنمو كما تنمو النجوم في كُتَلٍ هائلة.
فهل هي صدفة؟
لا. ليست صدفة، ولا حتمًا طبيعيًا، بل هي نتيجة تراكم حضاري، وذكاء جغرافي، واستمرارية تاريخية.
هي شهادة على أن الإنسان لا يسكن الأرض عشوائيًا، بل يُراكم فوقها ذاكرته، ويخطّ عليها تاريخه، حتى تغدو الجغرافيا دفترًا مكتظًا بالأسماء، لا مجرد خريطة.
إنها دائرة صغيرة… لكنها تحوي قصصًا أكثر من أن تُروى، وشعوبًا أكثر من أن تُعدّ، وتاريخًا أعقد من أن يُختزل.
هي مرآة للوجود الإنساني حين يتلاقى مع الأرض، لا على سبيل المصادفة، بل على سبيل القدر الممتد عبر الزمان.
#لساني_المحاكي