
أصل القضية/ محمد أحمد أبوبكر.. حين يُقنِعك الوعي بأن تكره وطنك
| من سلسلة الجسر والمورد
● تنبيه واعتذار:
أعتذر لمتابعي #أصل_القضية عن تأجيل نشر الجزء الثالث. فمقال اليوم تصعيدٌ واعٍ لما بدأناه قبل يومين، حين قلنا بوضوح: أخطر ما يمكن أن يصيب السودان ليس الانقسام، بل وعيٌ يعمل ضد بقائه.
دعونا نسمّي الأشياء بأسمائها، بلا مواربة ولا تجميل.
ما يواجه السودان اليوم ليس فقط حرب بالسلاح، ولا صراع نخب، بل حرب على المعنى. حرب يُستلب فيها الوعي من الداخل، ويُعاد توجيهه بعناية، حتى يصبح المواطن عدوًّا لفكرة وطنه، وهو يظن نفسه في قمة الوعي والفضيلة.
> هذه ليست فوضى آراء…هذه هندسة سقوط.
١) اللحظة التي يصبح فيها الوطن موضع شك
حين يُقال إن الفريق أول ركن / عبد الفتاح البرهان غير حريص على مصلحة السودان، فذللك يبقى رأيًا في أداء شخص.
هل تعلم أن هذه مرحل انتقال بكل سلاسة، من نقد الفاعل إلى التشكيك في الكيان؟
بالتالي الانتقال إلى السؤال :
> إذا كان الحاكم فاشلًا، فهل الدولة فاشلة؟
> وإذا كانت الدولة فاشلة، فهل السودان نفسه يستحق أن يكون؟
إذا الحل هو التقسيم وهذا هو ما
تردده النخب …
السودان مقبل على التقسيم
السودان مقبل على التقسيم
هل فهمتم هذا التدريج الناعم ؟؟
هنا نكون قد غادرنا السياسة، ودخلنا أخطر منطقة في حرب الوعي:
نزع الشرعية عن الوجود ذاته.
٢) تسمية الجريمة بإسمها: الاستلاب الداخلي للوعي
وفق رؤية الجسر والمورد، ما نعيشه اليوم يُسمّى بدقة:
> الاستلاب الداخلي للوعي الوطني.
وهو أن تتبنى خطابًا لا يخدمك،
وأن تدافع عن سرديات لا ترى فيك إلا وقودًا،
وأن تهاجم وطنك باسم الأخلاق،
وتجلده باسم الوعي.
هذا الاستلاب لا يفرض نفسه بالقوة، بل بالإقناع،
ولا يهدمك دفعة واحدة، بل يجعلك تهدم نفسك بنفسك.
٣) كيف تعمل القوة الناعمة هنا؟
تعمل ببساطة قاتلة:
تجزئة الحقيقة إلى سرديات متصارعة،
كسر الثقة حتى لا نسمع لبعضنا البعض،
تحويل كل محاولة بناء إلى جريمة أخلاقية،
وتصوير الهدم باعتباره شجاعة فكرية.
> في هذا المناخ، لا يُسأل: من يبني؟
> بل يُسأل: من نهدم اليوم؟
٤) علي رباح… حين يصبح الضمير خطرًا
في قلب هذا المشهد، جاءت استقالة البروفيسور /علي عبد الرحمن رباح لا كحدث إداري، بل كاشفٍ أخلاقي.
رجل اختار أن يغادر حين طُلب منه أن يسكت عن تزوير الشهادات، وعن اختراق السجل الأكاديمي، وعن إيقاف التحول الرقمي.
في دولة سليمة، يُحتفى بهذا الموقف.
أما في مناخ الاستلاب، فيحدث العكس:
> يُخوَّن الحارس،ويُبرَّر الاختراق، لأن وجود الضمير يفضح زيف السرديات.
وهنا نفهم لماذا يُحارَب من يرسخ معنى البناء أولًا.
٥) حين تتبرأ المؤسسة من ضميرها
ثم جاء بيان جامعة الخرطوم… لا ليفتح تحقيقًا شفافًا، ولا ليعلن حماية السجل الأكاديمي بوصفه مسألة أمن قومي، بل ليقدّم—للأسف—نموذجًا لما يمكن تسميته الحياد المُفرِّغ للمسؤولية.
بيانٌ بدا كأنه يقول ضمنًا: هذا شأن شخصي لا علاقة للمؤسسة به، وكأن البروفيسور علي رباح لم يكن أحد أبناء هذه الجامعة، ولم يتدرج في مدارجها، ولم يبلغ موقع أمين الشؤون العلمية إلا بثقة مؤسسية سابقة.
المفارقة القاسية أن الجامعة التي أنجبت الرجل، وربّته علميًا، وصعّدته حتى صار حارسًا لسجلها الأكاديمي، تملّصت منه في لحظة اختباره الأخلاقي.
وهنا لا يكون السؤال عن الوقائع، بل عن الموقف:
> هل تحمي المؤسسة من يدق ناقوس الخطر؟
> أم تحمي صورتها الآنية ولو على حساب سمعتها التاريخية؟
وفق منطق الجسر والمورد، فإن أخطر ما يصيب المؤسسات في لحظات الضغط ليس الخطأ، بل الخوف من تسمية الخطأ.
وحين يُترك من يرفض التزوير وحيدًا، وتُدار الظهور لمن سدّ ثغرة من ثغور الأمن القومي المعرفي، تُبعث رسالة قاتلة لكل صاحب ضمير:
التزم الصمت… أو تحمّل وحدك الثمن.
السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:
> أي رسالة نبعث بها لأساتذتنا وطلابنا حين نقف على الحياد أمام التزوير، ونتحفظ أمام الأمانة؟
٦) من ليمياء إلى رباح… المعنى واحد
قبل أيام كتبنا عن الدكتوره /ليمياء عبد الغفار، واليوم نكتب عن ب/ علي رباح.
الرسالة واحدة:
> كل من يحاول أن يؤسس يُقصى.
> كل من يحمي القيمة يُستهدف.
> كل من يرفض التواطؤ يُتَّهَم.
هذه ليست صدفة، بل قانون حرب الوعي:
> إفراغ الساحة من أصحاب المعنى، لتبقى للفوضى شرعية الصوت.
٧) الدولة التي تنتحر باسم الوعي
حين تتبنى النخب خطابًا يحتقر كل ما هو وطني،
ويشكك في كل مؤسسة،
ويُشيطن كل محاولة تنظيم،
فإن الدولة لا تحتاج إلى عدو خارجي.
تصبح دولة تنتحر ببطء،
وتجلد نفسها بسوط الوعي المستلب،
حتى تفقد الإيمان بحقها في الوجود.
ويُقال لك: هذا وعي.
والحقيقة: هذا أخطر أشكال العمى.
٨) الجسر والمورد: استرداد البوصلة
وفق رؤية الجسر والمورد إن معركة السودان اليوم ليست معركة سلطة، بل معركة بوصلة.
إما أن نُعيد توطين الوعي داخل المصلحة السودانية،
أو نتركه رهينة لسرديات لا ترى في السودان إلا مشروع فشل.
> نعم، ننتقد.
> نعم، نُحاسب.
لكن دون أن نُقنع أنفسنا أن الوطن خطأ،
ودون أن نحارب كل من يحاول البناء.
#أصل_القضية: الخلاصة القاسية:
حين يصبح الهدم بطولة،
والتأسيس تهمة،
والوطن موضع شك…
فاعلم أن الحرب لم تعد على السلطة،
بل على حق السودان في أن يكون.
الدول لا تسقط حين تُهزم، بل حين يقتنِع أبناءها أن هدمها فضيلة.
– باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية







