
القفز فوق “المشروع الشرير”
عبد الله بشير
رغم استمرار الحرب في بلادنا، لكن اعتقد أن السودان عمليا قد استطاع القفز فوق المشروع الذي حاولت القوى التي خططت للحرب أن تفرضه وفق مراحل مدروسة وتمويل عسكري ومادي وبشري عالي التكلفة، واستطاع السودان كذلك تفويت الفرصة على من أرادوا تغييره ديمغرافيا ووجوديا وتغيير وجهه ووجهته بالكلية ليتحول إلى بلد آخر غير الذي عرفه العالم.
وقد استسهل من خططوا لهذا التغيير الفظيع الأمر وكأنهم ضمنوا النجاح في تمرير ما يريدونه، ربما استهداء بتجربة القضاء على الدولة المهدية في السودان.. فقد قدم السودانيون ارواحهم رخيصة لمنع دخول المستعمر “ومات الرجال في كرري” وحصد مدفع المكسيم الجبان أرواح الرجال الذين صمدوا ولم يهربوا من الميدان رغم عدم التكافؤ العسكري.. قال ونستون تشرشل المراسل الحربي للحملة الإنجليزية ورئيس وزراء بريطانيا فيما بعد، في كتابه “حرب النهر”: وحيث سقط العدو لم تكن هناك مراسم الدفن والموسيقى ولا الاحتفالات التي تمجد عظمة الرجولة الصامدة، ولكنهم كانوا أشجع من مشى على الأرض، دُمْرِوا ولم يقهروا بقوة الآلة”.
وعلى ذات الطريق سار أحفاد ابطال كرري في معركة الكرامة السودانية، وقدر للسودانيين بعد سنوات طويلة من معركة كرري أن يسيروا على طريق الأجداد، بأن يختاروا طريق المقاومة للدفاع عن أرضهم وتاريخهم، فسكبوا الدماء القانية واستبسلوا وقدم ملاحم في الفداء والوطنية ومثلوا صخرة صلدة تكسر عندها مشروع ذهاب ريح الدولة السودانية والمجئ بدولة مستضعفة تحمل في ظاهرها علامات السيادة وفي باطنها استعمار قبيح بأدوات عصرية..
دماء السودانيين وتحملهم للتشرد والنزوح القسري وفقدان الممتلكات هي مصدات أوقفت مشروع الاستعمار الشرير ومحاولة الاستلاب الكامل للوطن، ولن تكون نتيجة نهاية هذا المشروع هو تحقيق انتصار وضيع يتجاوز إرادة الشعب الرافض للظلم والهوان وكذلك محاولة تطويع السودانيين للرضوخ للأمر الواقع.
المطلوب هو الثقة في أنفسنا أولا ومؤسساتنا الوطنية ثانيا.. فالمعركة وصلت إلى مراحل حاسمة تتطلب مزيدا من الحكمة في إدارتها، والحكمة تعني وضع الشئ في موضعه الصحيح.
عمليا قفزنا فوق المشروع الشرير.. لكن يبقى الخروج إلى بر الأمان هو المطلوب، وهو ما يحتاج إلى الحنكة وحسن قراءة الملعب الدولي والإقليمي الذي أصبحنا نؤثر فيه ونتأثر بما يحويه من تناقضات..







