
أصل القضية/ محمد أحمد أبوبكر.. الغموض المُدار داخل الفجوة المجتمعية
«ربما يكون الجدار جزءًا من السرد،
لكن المسمار هو بطل الحكاية.»
ليست المعضلة في الجدران العالية،
ولا في الانقسامات الظاهرة،
بل في طريقة تعريفنا لما يحدث.
التاريخ لا يُدار فقط بالقرارات،
بل بالتعاريف.
والهزائم الكبرى لا تبدأ بخسارة معركة،
بل بقبول تعريفٍ ملتبس للذات،
ثم التعايش معه…
ثم الدفاع عنه.
هنا، تحديدًا، تبدأ أصل القضية.
١) الانتصار على الذات: سؤال مفاهيمي قبل أن يكون أخلاقيًا
«من يهزم نقاط ضعفه أشجع ممن يهزم أعداءه، لأن أصعب انتصار هو الانتصار على الذات.»
هذه ليست حكمة سلوكية،
بل سؤال بنيوي: كيف تُعرَّف “نقاط الضعف” أصلًا؟
ومن يملك سلطة تعريفها؟
لأن الذات – حين تُعرَّف تعريفًا مُربكًا –
قد تدافع عن ضعفها بوصفه حكمة،
وعن عجزها بوصفه خصوصية،
وعن اختلالها بوصفه “واقعًا لا يُغيَّر”.
الهزيمة تبدأ هنا…
في التعريف.
٢) اختراع التقاليد: حين تتحوّل الفجوة إلى سردية مستقرة
ما فعله هوبسباوم ورينجر في اختراع التقاليد
لم يكن تفكيك الماضي،
بل كشف كيف يُستخدم الماضي لإدارة الحاضر.
التقاليد ليست دائمًا امتدادًا عضويًا للتاريخ،
بل كثيرًا ما تكون:
حلولًا مؤقتة جرى تثبيتها
أو فجوات جرى تبريرها
أو اختلالات جرى “تجميلها” لغويًا
وحين تُستقر هذه التقاليد،
لا تعود موضع مساءلة،
بل تصبح إطار التفكير نفسه.
وهنا لا يُهزم المجتمع بالقوة،
بل بالتعوّد.
٣) الغموض الإبداعي: حين يتحوّل المفهوم إلى أداة سلطة
في هذا السياق، تكتسب مداخلة الدكتور أمين حسن عمر خطورتها لا طرافتها.
حين كتب على حائطه:
الغموض الإبداعي
يحدث الغموض الإبداعي عندما يتم تعريف فكرة أو عملية أو طريقة تفكير غير ملموسة بطريقة غير دقيقة.
إنه مساحة مفاهيمية متوازنة بدقة حيث تؤدي طبيعة الغموض إلى مخرجات إبداعية.
لكن حين يُستخدم في السياسة،
يتحوّل إلى أداة تجعلك ترى ما تريد أن تراه:
إن أردت K فهي K،
وإن أردت B فهي B.
هذا ليس توصيفًا لغويًا،
بل تشريح لآلية حكم.
الغموض هنا ليس عيبًا…
بل تقنية.
تقنية تسمح لكل فاعل أن يرى ما يناسبه،
دون أن يُحاسَب أحد على تعريفٍ محدد.
وهكذا:
لا تُحل الفجوة
ولا تُغلق
بل تُدار داخل ضباب مريح
وهنا يصبح الغموض بديلًا عن السياسة،
والتعريف المائع بديلًا عن القرار.
٤) من يدير الفجوات الاجتماعية؟ من يدير الغموض؟
الفجوات الاجتماعية في السودان لا تُترك للصدفة.
هي تُدار…
لكن عبر:
لغة غير حاسمة
مفاهيم مطاطة
وتعريفات تسمح للجميع أن يكونوا على حق… دون أن يتغير شيء
وهذا أخطر أشكال الهزيمة: أن يشعر الجميع أنهم “فهموا”،
بينما لم يُحسم شيء.
الغموض الإبداعي – حين ينفلت من مجاله المعرفي –
يصبح غطاءً لهزيمة داخلية ناعمة.
ولهذا قال د. أمين – بحدة كاشفة:
«السياسيون هم أكثر المحتالين شرًّا.»
لأنهم لا يفرضون القهر،
بل يسوّقون الالتباس.
٥) الجسر والمورد: من إدارة الغموض إلى تفكيكه
في رؤية الجسر والمورد،
لا نبحث عن شعارات جامعة،
بل عن تعريفات شجاعة.
ما الفجوة؟
من المسؤول عنها؟
هل نريد إدارتها أم إغلاقها؟
الجسر لا يُبنى على مفاهيم ضبابية،
والمورد لا يتحول إلى طاقة
إلا حين نُسمي الأشياء بأسمائها.
الانتصار على الذات – هنا –
هو الانتصار على الغموض المُدار،
لا الغموض الخلّاق.
عودة الى المسمار… مرة أخرى
قد يكون الجدار: الدولة،
المجتمع،
التاريخ.
لكن المسمار
هو التعريف الصغير الذي قبلناه دون تدقيق،
والغموض الذي اعتبرناه ذكاءً،
والتقليد الذي سمّيناه حكمة.
#أصل_القضية
أن المجتمعات لا تُهزم حين تخطئ،
بل حين تُعيد تعريف الخطأ كخيار معقول.
وما لم ننتصر على هذا المستوى،
سنظل نرى K حين نريد K،
وB حين نريد B،
ونُسمي ذلك…
فهمًا.
نواصل…
– باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية




